محمد الغزالي

65

خلق المسلم

الأواصر ، ويرد الأقوياء ضعافا واهنين ، فقال : وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ، تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ، إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ . وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ « 1 » . إن الرجل قد يحل عقدا أبرمه ، ينتظر ربحا أوفر من عقد آخر ، وإن الأمة قد تطرح معاهدة بينها وبين أمة أخرى ، جريا وراء مصلحة أحظى لديها والدين يكره أن تداس الفضائل في سوق المنفعة العاجلة ، ويكره أن تنطوي دخائل الناس على هذه النيات المغشوشة ، ويوجب الشرف على الفرد والجماعة حتى تصان العقود على الفقر والغنى ، وعلى النصر والهزيمة . ولذلك يقول اللّه - بعد الأمر الجازم باحترام العهود - : وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 2 » . * * * والوفاء بالحق واجب مع المؤمن بالإسلام ومع الكافر به . فإن الفضيلة لا تتجزأ ، فيكون المرء خسيسا مع قوم ، كريما مع آخرين . والمدار على موضوع العهد فما دام خيرا فإقراره حتم مع كل فرد ، وفي كل حين . وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - في حلف الفضول « 3 » - : « لو دعيت به في الإسلام لأجبت » . عن عمرو بن الحمق قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أيما رجل أمن رجلا على دمه ، ثم قتله ، فأنا من القاتل بريء ، وإن كان المقتول كافرا » « 4 » . وهذا البيان الحاسم ، يكشف عن روح الإسلام في معاملة من لم يدينوا

--> ( 1 ) النحل : 91 . ( 2 ) النحل : 94 - 95 . ( 3 ) هو حلف تم في الجاهلية . ( 4 ) ابن حبان .